كنت في سنوات التعتير أملك سيارة كورية مخلصة: إذا تعبت بدنياً تتعبُ هي نفسياً. إن شعرتُ بالقوّة، تندفع بقوّة محرّك ألماني على واحدة من “طلعات” جبل عمان، من دون أن أضطرّ إلى تغيير درجة الغيار. كنت أيضاً مالكاً مخلصاً لها: أتعب نفسياً إذا تعبت هي جسدياً، وإذا شعرت بالقوة، اندفعتُ بهمّة عدّاء إفريقي نزولاً عند واحدة من “نزلات” جبل عمان. كانت هي الجسد وأنا عضو منه، فإذا ما أصيبَتْ بوهن غامض، أتركها في كراج أمين في “صويلح”، ثم أذهب طلباً للشفاء في عيادة الطوارئ.
كان نوعها كيا، ولها دلالات متعدّدة تشير إلى وصفها الإضافي “سيفيا”، وإن التبست مواصفاتها مع نصف السيارات التي تسير على طرق الأردن الرئيسية في الواحدة ظهراً، فإنّ لها رقماً يُلفظ بالإنجليزية “ون”، ليميّزها عن النصف الآخر من السيارات على الطرق الفرعية. كانت لي هيئة خاصة لأليق بها، وليعرف الناس، حتى حين أكون على بعد مئاتِ الأمتار منها في كراج يعج بكلّ أنواع السيارات، أنّي صاحب السيارة الكحلية، والبدلة الزرقاء.
حدث الترابط العاطفي بيننا بعد أن اقتنيتُها بناء على فحصها الجيّد، فإذا خرجتْ من مؤخرة السيارة دخنة بيضاء أو سوداء، راجعتُ على الفور طبيب الباطنية لأمر مهم يتعلَّقُ بالبواسير، ولما ترتفع درجة حرارتها، كنتُ أنوبُ عنها في الهذيان، وأرى الديك المختال على طرفِ الطريقِ، أرنباً متوسلاً أسفل العجل الأيمن. عندما كانت تصدأ “طرمبة” الماء فيها، تظهر عليّ أعراض الجيوب الأنفية، وإنْ اهترأ “قشاط” المحرك، كان ذلك يعني أنّ تلفاً أصاب واحداً من أمعائي الدقيقة: كانت تشكو فأتألم، تمرض فتصيبُني الأعراضُ، وعندما كانت تتسرب منها المياه لأسباب مجهولة، كنتُ أداري الحرج.
واجهنا معاً التداعيات ذاتها للأمراض: تجارب المهنيين والأطباء في جسدينا، فكان صدور صوت غريب من مقدّمتها، يفتح كلّ أبواب التكهنات، ففي “كراج” يكون مصدر الصوت هو المحرك الهَرِم، وفي آخر فإنّ السبب غير المباشر يأتي من “طرمبة البنزين”، وفي الكراج الذي يحمل صاحبه شهادة جامعية، السبب الأوحد هو صداع نصفي، مثل الذي عانيت منه كعرض من أعراض “مرض نادر” ذهبتُ لأكثر من عيادة لأعرف حقيقته: فهو في الأولى قلة نوم وراحة بال، وفي الثانية التعرض الطويل للشمس أو القمر، أما في العيادة الثالثة لـ “صاحبها” الدكتور الذي يحمل شهادة مزدوجة في الطب والميكانيك، فقد كان السبب منطقياً، ومرتبطاً بعدم الالتزام بالترخيص السنوي.
ومثل كلِّ الحكايات افترقنا أنا و”الكيا سيفيا ون”، اشتراها رجل مجهول عبر وسيط، ثمّ سافرتُ بعيداً عنها بآلاف الكيلومترات. اشتريتُ أكثر من سيّارة، يابانية وألمانية وأميركية، فقد صرتُ محدث نعمة، لا أشتري إلا السيارة الحديثة ابنة السنة التي لم تبدأ بعد. لكنّي شعرتُ قبل أيامٍ بآلام مُعيبة، ذهبتُ إلى العيادة، فأمر الطبيب بناء على دقة حالتي، بتحويلي إلى كراج في صويلح.

