ذات صلة

دم خفيف

كل الناس في “الريلز” دمّهم خفيف، ويسهل هضمهم، فهم أحلى من “الشربات” المصرية والتوت الشامي، ويمكنهم أن يقلبوا أثقل جنرال مهيب على ظهره من الضحك. كلهم، الناس الذين يتقافزون في ثلاثين ثانية ناقصة، أسرع من عادل إمام في رمي “الإفيه”، وأعلى مزاجاً من سعيد صالح في “السلطنة”.  

أطباء مناوبون هم، وصيادلة كِنديون، وأصحاب نظريات “طيّبات” في أوقات الذروة على المنصة التي تجمع “الدرم ماشين” بمشبك الشريان في “ريل” واحد. هم خبراء بفوائد مبالغ فيها للخضروات الصليبية، وكلهم، على التوالي من “سوسة” إلى “السليمانية”، اكتشفوا عشر فضائل لقشرة البيض البنية، لم ترد في كتاب “تربية الدجاج للمبتدئين جداً”.  

وهم أيضاً سكّان “عالم المُثل” الثاني الذين ثبّتوه في “البايو” على منهج الحوار والسؤال وبأسس الفلسفة النقدية التي طرأت عليها علامات “الفيلر” بعد الكِبر. هم علماء النفس والأنفاس الذين يعرفون لماذا قتل القاتل وسرق السارق مع حشو مكرر لـ “الثبات الانفعالي” كلما اقتضى السياق، أو لم يقتضِ.

إن ضاعت من فمكَ حكمة قديمة قليلة الاستعمال، ستجدها في “الريل” مغنّاة وعلى إيقاعها العراقي ترقص صبيّة رفضت بعد الوصلة طلباً ملحّاً للصداقة من “زهير بن أبي سلمى”، وستعثر في المشاهد الأقصر من تأفّفكَ، على جواب السؤال المزمن “ما الذي يحدث بعد مثلث برمودا”.. ستضعه الخوارزميات في “الريل” التالي وبشهادة “عائد من هناك”.

في “الريلز” يثبتُ العرب من الملح إلى الملح أنهم لا يحبّذون الاتفاق ويبغضون التوافق. ضع في رأسك سؤالاً عادياً وبسيطاً قبل أن تذهب لإعداد أكلة “المقلوبة”. اكتب مثلاً في محرّك البحث إن كان يجوز أو لا يجوز غسل الدجاج قبل الطبخ، وانتظر تدفّق الآراء الحادة والمتصارعة التي يكون فيها “الحياد خيانة”.

ما قاله صدّام حسين في أذن طارق عزيز عام ألفين وواحد، متوفّر بنسخة مقتضبة في “ريل” مُبَهّر لشاب من مواليد عام ألفين وأربعة، والوصايا السبع التي سكبها جمال عبد الناصر قبل ميتته الغافلة في رأس محمد أنور السادات، كشفت عنها فتاة تبدو قليلاً أكبر من عمرها، في “ريل” مخصص للحصريات فقط.

في “الريلز” لا جدران بين المنازل، ورائحة الطعام الصيني متداخلة مع “الكسكس” المغربي، وصورة الجدّ الرابع يمكن تعميمها على أربعة مواقع منفصلة من التواصل. فتيات يطبخن ويرقصن ويحللن حرب الخليج الأولى، شبان يطبخون ويغنون ويحللون ملحمة 2017 في “البرنابيو”، ولا فرق سوى في أسماء طرفي النزاع.

“الريل” يسيل على “الريل”، هذه مباراة قديمة، ثمّ حرب جديدة، وأغنية راب لأم كلثوم، وفائدة غير خاضعة للاختبار اكشفها طالب الهندسة الميكانيكية في سمك التونة. لا ترمِ الهاتف، ولا تصدّق ما يشاع عن “إدمان التمرير”، اضغط السبّابة للأعلى، عُد إلى الأسفل قليلاً، هذه حكمة إنترنت شهيرة منسوبة زوراً إلى محمود درويش، لكنّها مناسبة تماماً لإغلاق هذا المقال: “نعتاد القبح إذا أطلنا النظر”.

نادر رنتيسي
نادر رنتيسي
كاتب له عدة إصدارات قصصية وسردية ويعمل في الصحافة
المادة السابقة